ابن خلدون
393
تاريخ ابن خلدون
بالقصبة بتونس مع من انحصر بها من أشياعه مع أهله وحرمه وكان السلطان قد خلف ابن رضوان في بعض خدمته فجلا عند الحصار فيما عرض لهم من المكاتبات وتولى كبر ذلك فقام فيه أحسن قيام إلى أن وصل السلطان من القيروان فرعى له حق خدمته تأنيسا وقربا وكثرة استعمال إلى أن رحل من تونس في الأسطول إلى المغرب سنة خمسين كما مر واستخلف بتونس ابنه أبا الفضل وخلف أبا القاسم بن رضوان كاتبا له فأقاما كذلك أياما ثم غلبهم على تونس سلطان الموحدين الفضل ابن السلطان أبى يحيى ونجا أبو الفضل إلى أبيه ولم يطق ابن رضوان الرحلة معه فأقام بتونس حولا ثم ركب البحر إلى الأندلس وأقام بالمرية مع جملة من هنالك من أشياع السلطان أبى الحسن كان فيهم عامر ابن محمد بن علي شيخ هنتاتة كافلا لحرم السلطان أبى الحسن وابنه أركبهم السفين معه من تونس عندما ارتحل فخلص إلى الأندلس ونزلوا بالمرية وأقاموا بها تحت جراية سلطان الأندلس فلحق بهم ابن رضوان وأقام معهم ودعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس إلى أن يستكتبه فامتنع ثم هلك السلطان أبو الحسن وارتحل مخلفه الذين كانوا بالمرية ووفدوا على السلطان أبى عنان ووفد معهم ابن رضوان فرعى له وسائله في خدمة أبيه واستكتبه واختصه بشهود مجلسه مع طلبة العلم بحضرته وكان محمد بن أبي عمرو يومئذ رئيس الدولة ونجى الخلوة وصاحب العلامة وحسبان الجباية والعساكر قد غلب على هوى السلطان واختص به فاستخدم له ابن رضوان حتى علق منه بذمة ولاية وصحبة وانتظام في السمر وغشيان المجالس الخاصة وهو مع ذلك يدنيه من السلطان وينفق سوقه عنده ويستكفى به في مواقف خدمته إذا غاب عنها لما هو أهم فحلا بعين السلطان ونفقت عنده فضائله فلما سار أبو عمرو في العساكر إلى بجاية سنة أربع وخمسين انفرد ابن رضوان بعلامة الكتاب عن السلطان ثم رجع ابن أبي عمرو بالسلطان فأقصاه إلى بجاية وولاه عليها وعلى سائر أعمالها وعلى الموحدين بقسنطينة وأفرد ابن رضوان بالكتابة وجعل إليه العلامة كما كانت لابن أبي عمرو فاستقل بها موفر الاقطاع والاسهام والجاه ثم سخطه آخر سبع وخمسين وجعل العلامة لمحمد بن أبي القاسم بن أبي مدين والانشاء والتوقيع لأبي اسحق إبراهيم بن الحاج الغرناطي فلما كانت دولة السلطان أبى سالم جعل العلامة لعلي بن محمد بن مسعود صاحب ديوان العساكر والانشاء والتوقيع والسر لمؤلف الكتاب عبد الرحمن ابن خلدون ثم هلك أبو سالم سنة اثنتين وستين واستبد الوزير عمر بن عبد الله على من كفله من أبنائه فجعل العلامة لابن رضوان سائر أيامه وقتله عبد العزيز ابن السلطان أبى الحسن واستبد بملكه فلم يزل ابن رضوان على العلامة وهلك عبد العزيز وولى ابنه السعيد في كفالة الوزير أبى بكر بن غازي بن الكاس